روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

273

عرائس البيان في حقائق القرآن

بأن أحييتها بما أودعتها من روح فعلي وروح صفتي وروح ذاتي ، وذلك على الغيب وغيب الغيب ، وسر الغيب الأول أمر الفعل ، والثاني أمر الصفة ، والثالث أمر الذات ، فإذا صارت جامعة لهذه الخصائص وأن جميع الأرواح صدرت من نورها أرسلناها إلى جسمك المبارك ، ونفختها في صورتك كما نفخت في صورة أبيك ، فصار آدم العالم فأنت أنت ، وآدم والعالم من العرش إلى الثرى يظهر من مرآة وجودك ، كما ظهر الكون من جوهرك القدسي الذي هو أول ما خلقت ، فمن يرى نورها منك فقد رآني ، فإنك مرآتي للعالمين ؛ لذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم : « من رآني فقد رأى الحقّ ، ومن عرفني فقد عرف الحقّ » « 1 » ، وقال : « أول ما خلق اللّه نوري ، ثم خلق منه ما هو كائن إلى يوم القيامة » « 2 » ، فمن كان له من بحر نوره روح صار بين العالمين مرآة جمال الحق وجلاله ، ويكون شاهد الحق في العالم ؛ من نظر إليه عشق بالحق ؛ إذ الحق يظهر منه من حيث التجلي لا من حيث الحلول ، تعالى عن أن يحل في شيء من الحدثان ، ثم بيّن الحق تفصيل مواهبه التي وهبها لحبيبه صلّى اللّه عليه وسلم من خصائص النبوة والرسالة ، وشرائف المعارف والكواشف التي خفيت عنه في أوائل حاله ؛ إذ كان في غواشي صورة الإنسانية من أحكام أزليته ، وما سبق له من حسن العناية والكفاية بقوله : ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ أي : ما كنت واقفا على أسرار الخطاب وحقيقة المعرفة في زمان غيبتك ؛ إذ زيّنتك بألطاف في حجب الغيب ، ثم تجلى لك نور القرآن الذي ظهر منه نور العرفان ، فصار العرفان إيمانك والقرآن عرفانك ، فإيمانك العرفان ، وعرفانك القرآن ، فصار الإيمان والعرفان والقرآن من حيث عين الجمع واحدا ؛ إذ جميعها صدر من صفة القدم بالتجلي والتدلي والظهور ؛ والصفة صدرت من الذات من حيث المعاينة ، والكشف للأرواح الجلالية الجمالية القدسية ؛ لذلك تعود الكناية إلى الواحد من الاثنين ، إذ هذا الاثنان واحد في الحقيقة . [ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 52 إلى 53 ] وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 52 ) صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ( 53 ) قاله تعالى : وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا أي : هذه المعاني التي كشفتها لك نور وهداية تهدى به إلى معرفتنا وشرفك عندنا ، مِنْ عِبادِنا : من العارفين والموحدين والمحبين الذين كانوا في سوابق الغيب منك صدروا ، وعلى رؤية جمالنا

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 6 / 2568 ) ، ومسلم ( 4 / 1776 ) بأوله فقط . ( 2 ) ذكره العجلوني في كشف الخفا ( 1 / 311 ) .